بقلم: أيوب طالب السلامة (باحث بسلك الماستر: حكامة وتدبير أنظمة التربية والتكوين)
في إطار مواكبة النقاش العمومي حول حكامة وتدبير أنظمة التربية والتكوين، شكلت فعاليات الندوة الدولية التي نظمها "مركز رؤى" بمدينة مراكش يومي 24 و25 أبريل 2026، محطة علمية بارزة. وقد قاربت الندوة موضوع: "المدرسة الجديدة ورهانات الإصلاح: أي دور للفاعل السياسي والمدني؟"، سعياً نحو الدفع بنخب توضع في قلب الإصلاح لتحقيق تعاقد مجتمعي مستدام.
المحاور الأساسية لرهانات المدرسة الجديدة
1. الإرادة السياسية وهندسة الحكامة التشاركية أكد النقاش الأكاديمي والمدني أن أزمة إصلاح المنظومة التربوية هي أزمة إرادة وتوحيد للرؤية وتعاقد حقيقي، تتجاوز كونها مجرد أزمة موارد. ولتأسيس حكامة فعالة، لا بد من الانتقال نحو هندسة مؤسساتية تكاملية توضح وتوزع أدوار الفاعلين السياسيين، بحيث لا يطغى منطق التدبير على منطق المراقبة والمعارضة. في هذا السياق، يبرز المجتمع المدني كشريك استراتيجي وقوة اقتراحية ورقابية، مما يستوجب تبسيط المساطر الإدارية المعقدة لتمكينه من الاشتغال الميداني الحقيقي.
2. جودة التعلمات والتقييم المستقل كموجه للإصلاح تم التأكيد على أن التعليم الأولي يشكل القاعدة الأساسية والأساس المتين لكل نهضة تربوية جديدة، شريطة الاستثمار فيه لتجاوز الفوارق المجالية وتحسين وضعية المربيات. ولضمان عدم تدوير الفشل وتكرار الإصلاحات، طُرح التقييم المستقل والمؤسساتي كضامن رئيسي وترياق ضد التجديد الدائم للإصلاحات الذي يستنزف المنظومة.
3. البعد الثقافي والجمالي في مواجهة الهيمنة التقنية من أبرز المحاور التي لفتت الانتباه، ضرورة إعادة الاعتبار للوظيفة الثقافية للمدرسة الجديدة، والانتقال بها من "مدرسة المعرفة" الصرفة إلى "مدرسة الثقافة" والجمال. فالأزمة التي تعيشها المدرسة هي أزمة معنى وهوية، ولا يمكن تحقيق الإصلاح دون مصالحتها مع الفنون والتاريخ النقدي.
4. الذكاء الاصطناعي ورهان أنسنة التكنولوجيا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، جرى التشديد على أن المدرسة الجديدة ليست مجرد إدراج لـ "سبورة إلكترونية"، بل هي نمط وفلسفة جديدة. إن استبدال الوسائل التقليدية بوسائل رقمية دون تغيير العقليات يفقد المدرسة قيمها. لذا، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي يستلزم رؤية واضحة تعيد اكتشاف إنسانيتنا، لضمان تأثير إيجابي على جودة التعلمات وتحصين هوية المدرسة.
5. التدبير الترابي وأدوار المهن التربوية الجديدة سُلط الضوء على دور الفاعل السياسي المحلي (الجماعات الترابية ومجالس التدبير) كشريك استراتيجي في بناء التعاقد المجتمعي حول المدرسة، وليس مجرد جهة مانحة للمساعدات. كما برزت أهمية المهن الجديدة، وعلى رأسها المختصون الاجتماعيون، كصمام أمان وحلقة وصل بين الإدارة والأسرة والتلميذ، لمواجهة ظواهر الهدر المدرسي والعنف والتنمر.
مخرجات الندوة: التوصيات وإطلاق "نداء مراكش"
توجت الأشغال بجلسة ختامية تم خلالها تلاوة مجموعة من التوصيات العملية والإجرائية، تلتها مبادرة إطلاق "نداء مراكش" كوثيقة مرجعية تؤسس لتعاقد مجتمعي وسياسي مستدام. وقد ركزت أبرز التوصيات على:
• مأسسة الحكامة التشاركية: توضيح وتكامل أدوار كل من الفاعل السياسي والمدني في تدبير الشأن التربوي.
• تفعيل المقاربة الثقافية: جعل البعد الثقافي والجمالي ركناً أساسياً في المدرسة الجديدة، استناداً إلى الرافعة 17 من الرؤية الاستراتيجية.
• التعليم الأولي: تعميم وتجويد التعليم الأولي مع إيلاء أهمية قصوى لتحسين وضعية المربيات.
• تكنولوجيا التعليم: إدماج الذكاء الاصطناعي التربوي وفق رؤية مؤنسنة تحافظ على الهوية القيمية للمدرسة.
• تدبير الأزمات: مأسسة التعليم في حالة الطوارئ، وتأهيل البنية الرقمية والموارد البشرية استعداداً لأي أزمات مستقبلية.
• الشراكات المجتمعية: التبسيط الفعلي لمساطر الشراكة مع فعاليات المجتمع المدني وتفعيل الأدوار التربوية للجماعات الترابية.
• تطوير التكوين: إحداث تكوينات متخصصة في المجالات الفنية، الثقافية، والاجتماعية داخل مراكز تكوين الأطر التربوية.
لقد أبانت هذه المحطة الفكرية أن الحل لأعطاب المنظومة لا يكمن في الإجراءات التقنية المعزولة، بل يتأسس على مثلث صلب: إرادة سياسية واضحة، حكامة تشاركية حقيقية، واستعادة للوظيفة الثقافية والقيمية للمدرسة. وإن "نداء مراكش" يعكس التزاماً أخلاقياً وعلمياً يدعو مختلف الفاعلين للانخراط الجاد في بناء مدرسة منصفة، دامجة، ومبدعة.
حرره الأستاذ(ة):
ايوب طالب السلامة