في أفق نقاش علمي متجدد حول قضايا اللغة والمفاهيم، احتضن ماستر حكامة وتدبير أنظمة التربية والتكوين بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط مائدة مستديرة علمية جمعت نخبة من الأساتذة والباحثين، لتدارس إشكالات اللغة العربية ومصطلح الحكامة، في تقاطع بين البعد اللغوي والامتداد المعرفي والمنهجي. وفي هذا السياق، قدم الدكتور محمد اكديرة مداخلة علمية ركز فيها على إشكالية التمييز بين المفهوم والمصطلح، مؤكدا أن فهم المفهوم يعد مدخلا أساسيا لضبط المصطلح وتملكه داخل أي حقل معرفي، وأن كل مجال يحتاج إلى لجان متخصصة قادرة على استيعاب المفاهيم قبل نقلها أو ترجمتها. وفي هذا السياق، أبرز صعوبة ترجمة بعض المفاهيم المركبة، مستشهدا بمفهوم la gouvernementalité الذي يجمع بين بعدي العقلانية والحكامة، موضحا أن غياب مقابل عربي دقيق قد يفرض أحيانا اعتماد المصطلح الأجنبي إلى جانب العربي تفاديا للبس، خاصة حين تكون الترجمات المتداولة غير دقيقة. كما توقّف عند المسار التاريخي لمفهوم الحكامة، مبرزا أنه استعمل في القرن الثالث عشر بمعنى قريب من الحكم (la gouvernement)، قبل أن يتطور تدريجيا. وأشار إلى أن المفهوم عرف تحولا ابتداء من القرن السادس عشر، ليدخل بعد ذلك في مرحلة خفوت امتدت إلى حدود سنة 1930، حيث أعيد توظيفه في مجالات الاقتصاد والتدبير والمقاولة، قبل أن يعرف حضورا أقوى منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بعد سنة 1989، في سياق التحولات العالمية. وأكد أن عددا من مكونات الحكامة، مثل الشفافية والمساءلة، هي مفاهيم حديثة نسبيا، ارتبط ظهورها بسياقات سياسية وتاريخية معينة، كما شدد على أن غياب الولوج إلى المعلومة يعيق البحث العلمي ويحد من إمكانيات التحليل والدراسة. ومن جهة أخرى، أبرز أن التواصل يعد ركيزة أساسية لتحقيق الحكامة، إذ لا يمكن تصورها في غياب تحكم فعلي في اللغة وقدرة على التعبير والتداول، كما ربط تحققها بسيادة القانون والمساواة وترسيخ دولة الحق، معتبرا أن التملك المفهومي وحده غير كاف، بل يتطلب الأمر تحولا ثقافيا وتغييرا في العقليات. وفي ختام مداخلته، خلص إلى أن تحقيق الحكامة يمر عبر مداخل أساسية تتمثل في التملك الدقيق للمفاهيم، وتعزيز الخبرة، وإشراك علماء اللغة، إلى جانب تهيئة مناخ ثقافي ومؤسساتي داعم، يتيح الانتقال من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة الفعلية.